تمتد شبه جزيرة غاليبولي التاريخية على طول الضفة الغربية لمضيق الدردنيل، وهي أرض مباركة شهدت واحدة من أشرس وأشرف معارك الدفاع في التاريخ العسكري العالمي، حيث وُلدت تركيا الحديثة من رحم التضحية والفداء. فمن الحصون والبطاريات الساحلية التي جعلت المضيق منيعاً أمام الأساطيل البحرية عام 1915، إلى أسوار قلعة كليت بحر المصممة على شكل ورقة البرسيم بأمر السلطان محمد الفاتح، والنُصب التذكاري المهيب للشهداء المرتفع بأعمدته الأربعة، وصولاً إلى أبطال الفوج 57 ومرتفعات جونك باير التي قاد فيها مصطفى كمال المعركة الفاصلة، تعد إيجه أباد متحفاً حياً مفتوحاً للبطولة والشهادة والسلام العالمي.
- التاريخ والذاكرة الوطنية: انتصار جناق قلعة 1915 والروح المعنوية الخالدة
في 18 مارس 1915، شنت أساطيل الحلفاء الضخمة هجوماً كاسحاً في محاولة لعبور مضيق الدردنيل واحتلال إسطنبول. ولكن بفضل الخطة الدفاعية المحكمة لقيادة المضيق، والألغام السرية التي زرعتها سفينة نصرت في خليج إرينكوي، وبسالة المدفعية العثمانية، مُنيت الأساطيل الغازية بأكبر هزيمة بحرية في ذلك العصر. وكانت اللحظة التاريخية الخالدة حين حمل العريف سيد (سيد أونباشي) بمفرده قذيفة مدفع تزن 276 كيلوغراماً ليصيب بارجة أوشن البريطانية في مقتل ويخرجها من المعركة.
وبعد الفشل البحري، بدأت قوات الحلفاء إنزالاً برياً واسع النطاق فجر 25 أبريل 1915 على شواطئ سد البحر وخليج أنزاك. وهنا أطلق قائد الفرقة التاسعة عشرة المقدم مصطفى كمال أمره الخالد: «أنا لا آمركم بالهجوم، بل آمركم بالموت». فخاض الجنود قتالاً شرساً بالسلاح الأبيض في خنادق كليتش باير وجونك باير، وحموا ثرى الوطن طوال ثمانية أشهر ونصف حتى انسحاب الغزاة. واليوم، تشكل هذه المنطقة متنزهاً عالمياً للسلام يبعث برسائل المودة والتعايش إلى العالم أجمع.
- مسار استكشافي وروحاني ليومين: القلاع والحصون وساحات معارك أنزاك
اليوم الأول: قلعة كليت بحر، حصن العريف سيد، سد البحر، يحيى جاويش ونُصب الشهداء
تبدأ الرحلة في قلعة كليت بحر («قفل البحر») التي بناها السلطان محمد الفاتح عام 1462 في أضيق نقطة بالمضيق بتصميم معماري ثلاثي فريد ومتحف دفاعي عثماني.
بالاتجاه جنوباً، يقع حصن روملي مجيدية ونُصب العريف سيد حيث يمكن رؤية المدفع التاريخي الذي غيّر مجرى المعركة البحرية.
وفي فترة ما بعد الظهر، يصل الزائر إلى أقصى الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة لزيارة قلعة سد البحر العثمانية التي تعود لعام 1658 وجرى ترميمها كمتحف مفتوح.
بجوار القلعة يقع خليج أرطغرل ونُصب الرقيب يحيى (يحيى جاويش)، الذي صمد مع حفنة من جنوده أمام فرقة عسكرية كاملة صبيحة يوم 25 أبريل.
يُختتم اليوم الأول عند نُصب شهداء جناق قلعة على تلة حصارلك المشرفة على التقاء مياه المضيق ببحر إيجه، لقراءة الفاتحة والدعاء أمام المقابر الرمزية.
اليوم الثاني: مركز ملحمة جناق قلعة، خليج أنزاك، نُصب الجندي، الفوج 57 وجونك باير
يبدأ اليوم الثاني في مركز المحاكاة والتعريف بملحمة جناق قلعة في كاباتبه، حيث توضح القاعات ثلاثية الأبعاد التكتيكات العسكرية للمعارك.
الانتقال شمالاً يقود إلى ساحل عري برنو وخليج أنزاك، موقع إنزال القوات الأسترالية والنيوزيلندية في 25 أبريل 1915.
وعلى سفوح المرتفعات يقف تمثال «احترام الجندي محمد» الذي يجسد شهامة الجندي التركي وهو يحمل جندياً معادياً جريحاً لإسعافه وسط المعركة.
في منطقة كليتش باير، تقع مقبرة الفوج 57 للمشاة الأسطوري الذي استشهد أفراده وقائدهم المقدم حسين عوني بك في سبيل الدفاع عن الوطن.
تصل الجولة ذروتها في قمة جونك باير (268 متراً)، حيث حطمت شظية ساعة جيب مصطفى كمال وأنقذت حياته. ومن الخنادق المحفوظة يمكن رؤية بحر إيجه ومضيق الدردنيل معاً.
- مواعيد الزيارة، رسوم التذاكر لعام 2026 والضوابط الميدانية
- المقابر والنُصب التذكارية المفتوحة: نُصب الشهداء، مقبرة الفوج 57، جونك باير ونُصب يحيى جاويش متاحة مجاناً طوال أيام الأسبوع من الشروق حتى الغروب.
- قلاع كليت بحر وسد البحر: تتبع إدارة المنطقة التاريخية وتُقبل فيها بطاقة المتاحف التركية.
- مركز ملحمة جناق قلعة (كاباتبه): مفتوح يومياً من 08:30 إلى 17:30؛ ويُفضل الحجز المسبق لجلسات المحاكاة.
- حصون روملي مجيدية ونمازكاه: مفتوحة ومجانية طوال اليوم.
- ضوابط الحرمة والزيارة: يُمنع قانوناً إقامة النزهات أو إشعال النار أو التصرفات غير اللائقة داخل مساحات المقابر والمزارات.
- المواصلات والطرق: عبارات المضيق، جسر جناق قلعة 1915 والمواقف
- عبور المضيق بالعبارات: تعمل عبارات GESTAŞ للسيارات والركاب على مدار 24 ساعة بين مركز جناق قلعة وإيجه أباد / كليت بحر (15-25 دقيقة).
- جسر جناق قلعة 1915 المعلق: يوفر عبوراً سريعاً عبر الطريق السريع بين لابسكي وغاليبولي؛ ومنه 35 دقيقة إلى إيجه أباد عبر طريق مزدوج.
- الطرق داخل شبه الجزيرة: المسارات الرئيسية معبدة بالكامل وتتضمن لافتات إرشادية دقيقة لجميع النصب.
- الجولات السياحية: تنطلق حافلات صغيرة ورحلات منظمة مع مرشدين بانتظام من رصيف عبارات إيجه أباد.
- مواقف السيارات: تتوفر مواقف مجانية واسعة عند نُصب الشهداء ومقبرة الفوج 57 وجونك باير.
- آداب الزيارة، المطبخ المحلي وإرشادات المسافر الذكي
- آداب الوقار والاحترام: بما أن هذه المواقع مقابر لمئات آلاف الشهداء، يُرجى الحفاظ على الهدوء والوقار وتجنب الأصوات العالية والالتزام بالزي المحتشم.
- حلوى الجبن والسردين الطازج: تذوق حلوى الجبن الساخنة المخبوزة في الفرن (Peynir Helvası) في إيجه أباد والسردين المشوي على الساحل.
- الاستعداد للطقس والمسير: تشهد قمة جونك باير ونصب الشهداء رياحاً قوية أحياناً؛ يُنصح بارتداء سترة مناسبة وحذاء رياضي للمشي في الخنادق وحمل مياه شرب كافية.
- الاستعانة بمرشد معتمد: لفهم التفاصيل التكتيكية والبطولية لحملة 1915، يُوصى باصطحاب مرشد ميداني معتمد من إدارة المنطقة التاريخية.
- البدء في الصباح الباكر: خاصة في فصل الصيف وخلال أيام الذكرى الرسمية (18 مارس و24-25 أبريل)، يُفضل بدء الجولة مبكراً تجنباً للازدحام.














